![]() |
|
|
#1 |
|
لا شيء تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 4,396
|
ريــم الجنــدي والكيتــش البيروتــي عباس بيضون ذات يوم فكرت ريم الجندي بالسفر وكان أن رسمت حلمها في معرض، عرايا وسط التأشيرات والطائرات، معرض ريم الجديد في صالة جانين ربيز لرجال بكامل ثيابهم. كأن النساء بأجسادهن والرجال بملابسهم، هم بثيابهم حين يحلّقون وحين يصطادون وحين يحبون. بوسعنا أن نفهم أن لهم أدواراً بقدر ما لديهم من ملابس. ان هذه تجعلهم قادرين على أن يظهروا في أحوال وأنماط شتى وأن يكون للواحد منهم أقران وأن يكون له من نفسه قرين أو آخر. على هذا يبدو معرض ريم كأنه «سيرك» هؤلاء الذين لا نني نراهم في ألعابهم وبهلوناتهم وأدوارهم واجتماعاتهم وتفردهم وظلالهم وهالاتهم ورموزهم. من هنا نفهم أن معرض ريم الجندي هو تقريبا مسرح هؤلاء، لا يحضرون فيه الا وقد دخل كل منهم في زي وفي دور. يتراءى اننا هكذا في «بيرفورمانس» كبير لمؤدين يتغيرون في كل دقيقة، ان لم نكن في شريط متحرك يتحول فيه الجميع بسرعة البرق. ذلك يعني أننا لا نستطيع مع هذا التنوع أن ننظر إلى معرض ريم الجندي كأنه شتات لوحات متفرقة ضمها مكان واحد كما هي المعارض عادة. بالقدر نفسه لا نستطيع أن نرد المعرض كله إلى موضوع مركزي يرجع بتجليات مختلفة في كل عمل. ليس معرض ريم هذا ولا ذاك. لا تستقل أعمال ريم أو لوحاتها فنحن لا نستطيع أن نراها الا في تتابعها وتقابلها واتصالها. انها على هذا النحو شريط واحد. لكنه شريط له من السيولة والتداعي ما يجعله يتفتح بالتدريج ويتحول إلى متناظرات ومتقابلات بدلا من أن يكون مجرد تسلسل وتتابع. أي أن معرض ريم يأخذنا بقدر ما يأخذنا عمل شعري، تجد بين صوره وعباراته اتصالا لا ينشأ عن الاستكمال بقدر ما ينتج عن التناظر والتداعي، وبقدر ما ينشأ عن الصورة الكبيرة المحجوبة التي يصدر عنها فيما يتجه إلى بنائها. معرض ريم الحالي يحتاج منا إلى نزهة الخيال هذه. على الباب وقبل أن ندخل لوحة صغيرة مربعة لسوبرمان الطائر. انها على الباب قبل أن ندخل كأنما هي عنوان أو مفتاح، فعلى يمينها كما يفترض ان تبدأ المشاهدة لوحتان في كلتيهما رجل يهوي بكامل ثيابه العادية من امام بنايات شاهقة. في الأولى هي بنايات مؤلفة من مربعات مستقيمة مكشوفة، في الثانية يهوي الرجل مع ظله الملازم من امام مربعات ملتوية مغطاة بالستائر. نحن في المدينة أو الضواحي، ما همّ فنحن في المدينة. وهذا الساقط بكامل ثيابه هو هذا المديني (برجوازي تعني في الأصل مدينيا) ومن الواضح أن سوبرمان البيروتي ينتمي بثيابه إلى هذه البنايات التي يهوي من أمامها. يهوي ولا يحلق بالطبع، يهوي امام بنايات المدينة لكننا لا نعرف اذا لم تكن هذه خطّ سقوطه، اذا لم يكن يهوي بالنسبة لها كأنه وكأنها شريكان في السقوط. سنفترض ان السيبرمان الهاوي او المدينة بهذا السيبرمان هما المدخل. لن نرى مشهد هوي آخر، لكننا سنرى الظل الملازم مراراً. الواحد مع آخره أو ظله، أليس هذا رمزاً أدبياً دارجاً ولماذا يقال بحرفيته وبرمزيته في معرض رسم. ربما هو إيعاز مثابر إلى نوع من قراءة «تأويلية» للأعمال المعروضة، فهذا الظل القرين الآخر هو عنوان هؤلاء الذين لن يكونوا في الغالب سوى كذلك بالنسبة إلى أنفسهم. انهم كذلك الهاوي بالنسبة إلى البنايات التي يسقط من أمامها. هم ليسوا سوى ما يؤدونه إزاء ما يتطلعون إليه أو يتطلع إليهم. هذا الجالس مع ظله يتحدد بالنسبة إلى الرمز الأعلى الذي هو في سقف اللوحة والذي شمس ذهبية تحوي قمراً. لا تفكر فأنت امام معبود او طلسم او رمز هيروغليفي لكنك ستجد باستمرار كائنات كهذه تحيا وتتجول وسط الآخرين. الصياد الذي يحمل قوسه على خلفية من رسوم ثيران كتلك التي قد تزين كهوفاً بدائية يلبس الجينز، انه مديني آخر لكنه يؤدي الصياد البدائي، ربما وسط أدغال المدينة، بينما فوقه وفي سقف اللوحة صورة ملاكم قريبة من بوسترات حفلات الملاكمة أو بوسترات أفلام الملاكمة. هذه الخلطة من الجينز والقوس ونقوش الثيران وبوستر الملاكمة لا تقاس على لوحة من أي نوع. انها أداءات مختلفة. بوستر مع رسوم كهوف مع شبه بورتريه، أي أن الفنانة ترسم بقدر ما تؤدي. التصوير هنا يبني جزئيا على مادة مرسومة سابقاً، انه يبدو من جانب ما توليفاً. مع ذلك ابتعدنا ولم نبتعد عن السيبرمان الهاوي، فهذا الصياد ذو الجينز في الكهف المديني لا ينفصل تماماً عن الساقط بكامل ثيابه من امام الدغل المديني. ليس بوستر الملاكم منفصلاً تماماً عن كيتش المعبود الذهبي، فالكيتش المقدس هو ايضا الكيتش ولا يختلف، من هذه الناحية، عن الكيتش المديني العادي. ثم اننا حين نجد النائم بكامل ثيابه ايضا على المربعات الحاملة أسماء أحياء بيروت، النائم على الجانب الأعلى من اللوحة نتذكر عاريات ريم الواقفات وسط التأشيرات والطائرات، العارية هنا كإنسان دافنشي وسط الكون وفي مركزه بينما الرجال المرتدون متروكون على جانب، ليس الممدد على المربعات البيروتية سوى استكمال اعلاني، هناك أيضاً الواقفون بقدر من التجهم في مقدمة اللوحة بدون أن يكونوا في أي مكان وبدون أن يطلوا على أي شيء، ذلك أن المكان وراءهم وهو عبارة عن مشهد مديني، شوارع وأرصفة ونخيل وسيارات، مشهد بيروتي لكنه أشبه بلعبة فليبير او «غم»، المشهد المسرحي هنا بخلفية وإزاء الكيتش البيروتي. لا بد من أن هنا صدى آخر للسقوط من أمام البنايات، لكننا بدلاً من ثنائية الشخص والقرين، نجد الرماديين والنحاسي، النحاسي هو التحويل الأخير للأيقوني وقد استحال على مزيج من المعدني والبلاستيكي. انه لون معدني بتطعيجات وقالب دمية بلاستيكية. سيكون هذا كيتش المقدس، المقدس وقد استحال ايضا واحداً من كيتشات المدينة. سيتكرر الرمادي والمعدني في لوحات أخرى، وجود الأول الشبحي سيتكامل مع وجود الثاني الصنمي، ذلك أن التصنيم هو أيضاً لعبة المعرض. التصنيم الذي هو على، نحو ما، مسخرة المعرض. انه أحيانا ذلك الرمز غير المفهوم المعلق بألوانه القوية النافرة أمام كومة الرجال الرماديين الذين من أعماق اللوحة لا يستطيعون اللحاق به. انه ايضا «التوب موديل» الفوتوغرافي تقريبا بخلفية من الملائكة النسائية المجنحة، انه ايضا البوستر الهندي من الملودراما العاطفية. انه أيضا البراق الذي يعلو بوجهه النسائي في السماء بينما تلحقه إلى الأعلى تخطيطات رجال على بسكيلتيات في مفارقة ماغريتية. انه الكيتش المديني، لكنه أيضا السحر المديني الذي له أيضا كيتشه. هل يمكن أن نستنتج شيئا من أن النساء عند ريم مسافرات والرجال مقيمون. هل يمكن ان نجد تماهيا بين الرجال والمدن، أم ان بيروت نفسها يمكن ان تكون استعارة رجالية. لكل لوحة في المعرض عبرتها أو لمستها (وربما مفاجأتها) الخاصة. في كل لوحة لعبتها ولعبها بالمفارقات. لكن هل نحن حقا لا نزال في اللوحة، أم أن الأمانة الشكلية للوحة لا تخفي طموحاً معلنا للخروج منها. ما من تطابق بين اللوحة وصاحبتها هنا، فالفنانة تؤدي بقدر ما تبتكر. انها تعمل على فنون جاهزة (فوتوغرافيا، بوستر، صور متحركة، رسوم ونقوش)، وتخترع أيضا موديلاتها وكليشاتها الخاصة والعمل هو مونتاج، يجمع المخترع مع الجاهز كما يجمع السحري مع المبتذل. اللوحة نفسها هي دينامية هذا الجمع. انها هي الاخرى تتكلم بأساليب وأنماط متعددة متفارقة في الزمن والأداء. نتساءل إذا لم يكن المعرض هو هذا الشريط الذي، بمفردات معادة ومفردات مبتكرة، يصنع عالماً ندخل فيه عرضاً وطولاً، عمقاً وسطحاً، ونظل في نزهة خيال وذكاء وأشكال تفكر وتعلق وتسخر وتمتع. * السفير الثقافي 29/1/2010
__________________
أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى..؟ هي أشياء لا تشترى. الشاعر / أمل دنقل |
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|