أكاديمية قامات الثقافية  

العودة   أكاديمية قامات الثقافية > الأكاديمية الأدبية > خيمة السرد

« آخر المشاركات »
         :: قصص التراجيديا و الرمز " قراءة في مجموعة " قلعة الأرض " لفيصل الزوايدي (آخر رد :فيصل الزوايدي)       :: ليس لي غير نافذة واحده (آخر رد :عشتار ستو)       :: غازي القصيبي : التماعُ اللؤلؤ ، شغفُ البساتين . (آخر رد :مريم العواجي)       :: (رئيس الفقراء)قصيده الى رمز الحب والسلام (آخر رد :علي الملا الخزاعي)       :: يَا حَسْرَةً عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادِ (آخر رد :سلوى مدني)       :: فقيهي يلملم الجروح ليضيء القناديل (آخر رد :جبريل سبعي)       :: قصيدة انا لا اريد العيد للشاعر حسين القاصد باليوتيوب (آخر رد :سناء سلمان)       :: مسابقات الدكتورة سعاد الصباح للإبداع الفكري والأدبـي 2009-2010 (آخر رد :فيصل الزوايدي)       :: استأسَدَ الفأرُ يَوْمًا (آخر رد :فيصل الزوايدي)       :: صفْ /ي حالتك النفسية لهذا اليوم !! (آخر رد :هناء العرادي)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 02-08-2010, 11:13 AM   #1
عبدالمحسن يوسف

شاعر وكاتب سعودي
 
الصورة الرمزية عبدالمحسن يوسف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2006
الدولة: في عش غيمة
المشاركات: 8,316
افتراضي

رمزية





سلوى بكر



صديقتي القديمة المزمنة، منذ زمن الطفولة ومقاعد الدراسة الأولى، وحتى التخرج في الجامعة، تعود من غربتها الأوروبية مرة في السنة، لتبقى شهراً بيننا نحن الذين طالما أحببناها لخفة ظلها وطيبة قلبها. في البداية تكون هادئة، باردة الأعصاب، وما أن تمر بضعة أيام على وجودها في البلد، حتى تبدأ بالسب واللعن، وكانت تنتابها حالة «الخروج عن الطور» هذه، كما كنا نسميها، بعد الذهاب إلى مصلحة أو جهة حكومية تحديداً، إذ كانت تعود إلينا وهي تبصق قرفاً وضيقاً ثم تعلن: - حكومة وسخة. والناس كلها حرامية.

وعقب ذلك مباشرة تقدم حيثيات توضيحية سريعة:

- شوفي المباني المهلهلة، والعشوائيات، ووساخة الشوارع حتى في صرة البلد. فوضى الإدارات الحكومية ومافيات البرطلة والبقشيش تحت شعار مستمر على مدار السنة «كل سنة وأنت طيبة يا هانم»، مع حركة اليد المفتوحة الممدودة لأخذ الفلوس. الناس بره في منتهى الذوق وأي ورقة تخلصها من أية جهة حكومية لا تأخذ أكثر من ثوان معدودة، والموظف يقابلك بابتسامة ويودعك بابتسامة.

أقاطعها وأمسكها من يدها ونحن نعبر الطريق بينما إشارة المرور تتوهج بلون الياقوت:

- كفاية، سمعت الأسطوانة إياها مليون مرة. كفاية النكد كل يوم والثاني. عدي بسرعة وأخرسي، الإشارة مفتوحة، وممكن أي سيارة تصدمنا.

نعبر بينما تشير إلى قطع الملابس المعروضة بواجهات المحلات، تنتقد الألوان الصارخة على أجساد الموديلات، وفتاة تعبرنا، ترتدي بنطالاً من الجينز الضيق وتضع طرحـة خضراء على رأسها:

- بصي.. بصي، الكعب العالي، وشنطتها الحمراء مع الطرحة والشخاليل النازلة من العقد في رقبتها، والله البلد كلها مهزلة... مهزلة وكوميديا حقيقية.

أرد بضيق:

- بصي واسكتي قلت لك، الناس لو كانت مقتدرة ويدها طايلة، ربما كانت لبست بطريقة أفضل. الناس هنا الهدوم بالنسبة لها مجرد سُترة... سُترة من الستر يعني المهم يستروا أبدانهم ويحافظوا على آدميتهم.

يستمر النقاش مع صديقتي رمزية على هذا النحو، ربما إلى ما لا نهاية، بينما نسير في الطرقات، أو نأكل سوياً بالمطاعم، أو داخل مصعد برج القاهرة الذي تحبه كثيراً وتحرص على زيارته في كل مرة تعود فيها إلى البلد لأنه «رائع، ومن فوقه الواحد يشوف الهرم والقلعة وجبل المقطم والنيل». كان منظورها لأحوال الناس والبلد سلبياً دائماً، فهي ساخطة على كل شيء، ودائماً تقارن بين عيشتها في البلد الأوروبي وعيشتنا نحن هنا، حتى اسمها لم تعتقه من السخط، فتنطقه على طريقة أهل القرى وتقول:

- رمز آيه... يعني خلاص انتهت الأسماء من الدنيا فأسموني رمزية. منه لله بابا لأنه أصر على تسميتي باسم أمه. تصوري لما يسألوا عن معنى اسمي هناك عندنا، وأقول لهم سمبولك، فأراهم يرفعون حواجبهم بدهشة، ويسكتون قليلاً، وكأني نطقت لهم اسم إبليس، أو كائن خرافي هبط إليهم من كوكب آخر.. هاهاها.

أضحك من كلامها، لكن بعض الناس يضيقون ذرعاً به ويعتبرونه نوعاً من العنصرية والتعالي على البلد وعليهم شخصياً، ذات مرة قال لها صديق لنا، اشتغل بالسياسة حيناً من الزمن بعد إصابته بعاهة مستديمة في حرب 1973:

- روحي مطرح ما أنت موجودة، لما البلد كلها زفت في زفت أتركيها وحلي عنها.

كانت تضحك عندما تسمع كلمات حادة كهذه وتخرج لسانها، وتبدأ بالهجوم مرة أخرى، ليس عليه فقط ولكن على عبد الناصر الذي يحبه، بينما تطوح بيدها مشيرة إلى خضرة الأرض الممتدة أمامنا قائلة:

- شوف النادي الآن، وشكله زمان، كان مختلفاً تماماً، كله بسبب عبد الناصر حبيبك. معظم أعضاء النادي من طبقة الحرامية الجدد. طبقة عندها فلوس، لكن بلا أصل.

كنت أعرف أن بداخلها معاناة هائلة وحيرة لا حد لها، فهي لا تعرف على وجه اليقين، هل هي تحب «هنا» الذي عاشت فيه طفولتها وشبابها حتى بلغت الثلاثين؟ أم تحب «هناك» بعد أن تزوجت برجلها الأوروبي الذي أحبته، وقد التقته ذات مرة بطائرة فوق السحاب، عندما كانت تعمل مضيفة في شركة من شركات الطيران، وهو الرجل الذي اكتشفت في ما بعد بخله وحرصه وإصراره على اقتسام كل قرش يجنيانه مقابل عملهما. ثم أنها تعاني هناك على رغم عملها في وظيفة مرموقة في حكومة بلد زوجها، لأنها تتقاضى راتباً أقل من رواتب زملائها الذين هم من أهل البلد، على رغم أن كفاءاتهم أقل من كفاءتها وخبرتها كثيراً.

رمزية تكرر على مسامعي ومسامع الآخرين انتقادها لـ «هنا»، لكنها قبل سفرها بأيام قليلة تصبح عصبـيـة وقلقة وتواصل سماع أغنيات لنجاة علي وعبد المطلب وكارم محمود، وعندما أذهب لتوديعها في المطار، أرى دموعها بينما تقبلني وتقول:

- حاسبي على نفسك يا حبيبة، وسلمي على كل الحبايب، وخلي بالك من زرع الجنيـنـة وأسقيــه كل فتــرة وإلا يـنـشف ويموت.


* الحياة
__________________
عسلٌ على شفتيك ِ ،
وردٌ من مخابئك ِ العميقةْ .
يا أنت ِ ، يا كحلاً بأجفان ِ النساء ِ
ونقش حنّاء ٍ على كفِّ الخليقةْ .




Mohsen_yo@hotmail.com
عبدالمحسن يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 10:59 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
جميع الحقوق محفوظة لأكاديمية قامات الثقافية 2009 - 2010